سيد محمد طنطاوي

202

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ويصح أن تكون « أم » متصلة . وقد حذف معادلها ثقة بدلالة الكلام عليه ، فيكون المعنى : أهذا الكافر الذي جعل للَّه أندادا ليضل عن سبيله أحسن حالا ، أم الذي هو ملازم للطاعات آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ؟ ووصف القنوت بأنه في آناء الليل ، لأن العبادة في تلك الأوقات أقرب إلى القبول وقدم السجود على القيام ، لأن السجود أدخل في معنى العبادة . قال الآلوسي ما ملخصه : وقد ذكروا أن هذه الآية نزلت في عثمان بن عفان ، وقيل في عمار بن ياسر . . والظاهر أن المراد المتصف بذلك من غير تعيين ، ولا يمنع من ذلك نزولها فيمن علمت ، وفيها دليل على فضل الخوف والرجاء . وقد أخرج الترمذي والنسائي وابن ماجة عن أنس قال : دخل رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم على رجل وهو في الموت ، فقال له : كيف تجدك ؟ قال : أرجو وأخاف . فقال صلَّى اللَّه عليه وسلم : « لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الذي يرجو ، وآمنه الذي يخاف » « 1 » . ثم نفى - سبحانه - أيضا المساواة بين العالم والجاهل فقال : * ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) * . أي : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين الذين جعلوا للَّه أندادا : إنه لا يستوي عند اللَّه - تعالى - المشرك والمؤمن ، ولا يستوي عنده - أيضا - الذين يعلمون الحق ، ويعملون بمقتضى علمهم ، والذين لا يعلمونه ويعملون بمقتضى جهلهم وضلالهم ، ويعرضون عن كل من يدعوهم إلى الحق وإلى الصراط المستقيم . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : * ( إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبابِ ) * أي : إنما يعتبر ويتعظ بهذه التوجيهات والإرشادات ، أصحاب العقول السليمة والمدارك القويمة . ثم أمر اللَّه - تعالى - رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلم أن يذكر المؤمنين بأن يواظبوا على إخلاص العبادة للَّه - تعالى - وأن يهاجروا إلى الأرض التي يتمكنون فيها من نشر دينه وإعلاء كلمته ، وأن ينذر المشركين بسوء المصير إذا ما استمروا في كفرهم وضلالهم . . فقال - تعالى - :

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 23 ص 247 .